التاريخ : 12/5/1421
وقت الدرس : الدرس الأول بعد العصر
الدورة العلمية الخامسة
شرح كتاب الفصول في سيرة الرسول e
لابن كثير رحمه الله تعالى
للشيخ الدكتور عمر بن سعود العيد
الفهرس الرئيسي   كتاب المعاملات من (زاد المستقنع) الفصول في سيرة الرسول كتاب التوحيد  

ترجمة الشيخ

التمييز مقدمة التفسير كتاب التوحيد المحرر في الحديث

<<السابق

 

التالي>>

فصل

الأماكن التي حلها

 

في ذكر الأماكن.التي حلّها صلوات الله وسلامه عليه.وهي الرّحلات النبوية.

قدم الشام مرتين:الأولى مع عمهُ أبي طالب في تجارة له،وكان عمره إذ ذاك ثنتي عشرة سنة، وكان من قصة بحيرا وتبشيره به ما كان من الآيات التي رآها،مما بهر العقول،وذلك مبسوط في الحديث الذي رواه الترمذي مما تفرّد به قُرادُ أبو نوح،واسمه عبدالرحمن بن غروان،وهو إسناد صحيح،ولكن في متنه غرابة قد بُسط الكلام عليه في موضع آخر،وفيه ذكر الغمامة ولم أر لها ذكرًا في حديث ثابت أعلمه سواه.

المقدمة الثانية في تجارة لخديجة بنت خويلد وصُحبته مولاه ميسرة،فبلغ أرض بصرى، فباع ثَمَُ التجارة ورجع،فأخبر مَيسرةُ مولاته بما رأى عليه- صلى الله عليه وسلم-من لوائح النبوة، فرغبت فيه وتزوجته،وكان عمره حين تزوجها-على ما ذكره أهلُ السير خمسًا وعشرين سنة.   وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم أسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى،فاجتمع بالأنبياء وصلى بهم فيه،ثم ركب إلى السماء ثم إلى ما بعدها من السموات سماءً سماءً،ورأى الأنبياء هناك على مراتبهم ويسلم عليهم ويسلمون عليه،ثم صعد إلى سدرة المنتهى فرأى هناك جبريل عليه السلام على الصورة التي خلقه الله عليها،له ستمائة جناح،ودنا الجبارُ ربُّ العزة فتدلى كما يشاء على ما ورد في الحديث، فرأى من آيات ربه الكبرى كما قال تعالى: ((لقد رأى من آيات ربه الكبرى)) وكلمه رّبه سبحانه وتعالى على أشهر قولي أهل الحديث، ورأى ربه عز وجل ببصره على قول بعضهم، وهو اختيار الإمام أبي بكر بن خزيمة من أهل الحديث، وتبعه في ذلك جماعة من المتأخرين. وروى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنها أنه رآه بفؤاده مرتين وأنكرت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنه رؤية البصر، وروى مسلم عن أبي ذر قلت: يا رسول الله رأيت ربك؟ فقال: "نور، أنّي أراه" وإلى هذا مال جماعة من الأئمة قديماً وحديثاً اعتماداً على هذا الحديث، واتباعاً لقول عائشة رضي الله عنها. قالوا: هذا مشهور عنها، ولم يُعرف لها مخالف من الصحابة إلا ما روي عن ابن عباس أنه رآه بفؤاده، ونحن نقول به، وما روي في ذلك من إثبات الرؤية بالبصر فلا يصح شيء من ذلك لا مرفوعا بل ولا موقوفا، والله أعلم. ورأى الجنة والنار والآيات العظام، وقد فرض الله سبحانه عليه الصلاة ليلتئذ خمسين، ثم خففها إلى خمس، وتردد بين موسى عليه السلام وبين ربه جل وعز في ذلك، ثم أهبط إلى الأرض إلى مكة إلى المسجد الحرام، فأصبح يخبر الناس بما رأى من الآيات.

فأما الحديث الذي رواه النسائي في أول كتاب الصلاة أخبرنا عمرو بن هشام حدثنا مخلد هو ابن يزيد، عن سعيد بن عبدالعزيز، حدثنا يزيد بن أبي مالك، حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها عند منتهى طرفها، فركبت ومعي جبريل عليه السلام، فسرت، فقال: أنزل فصلِّ، ففعلت، فقال: أتدري أين صليت صليت بطيبة، و إليها المهاجر. ثم قال: انزل فصل فصليت فقال أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى. ثم قال: انزل فصلَّ، فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى. ثم دخلت بيت المقدس، فجُمع لي الأنبياء، فقدَّمني جبريلُ حتى أممُتهم، ثم صُعد بي إلى السماء الدنيا". وذكر بقية الحديث، فإنه حديث غريب منكر جداً، وإسناده مقارب. وفي الأحاديث الصحيحة ما يدل على نكارته، والله أعلم.

وكذلك الحديث الذي تفرد به بكر بن زياد الباهلي المتروك، عن عبدالله بن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليلة أسري بي قال لي، جبريل: هذا قبر أبيك إبراهيم أنزل فصلِّ فيه. لا يثبت أيضاً، لحال بكر بن زياد المذكور. وهذا الحديث الذي رواه ابن جرير في أول تاريخه من حديث أبي نعيم عمر بن الصبح، أحد الكذابين المعترفين بالوضع عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ذهب إلى يأجوج ومأجوج، فدعاهم إلى الله عز وجل فأبوا أن يجيبوه، ثم انطلق به جبريل عليه السلام إلى المدينتين -يعني "جابلق"، وهي مدينة بالمشرق وأهلها من بقايا عاد، ومن نسل من آمن منهم، ثم إلى جابرس، وهي بالمغرب، وأهلها من نسل من آمن من ثمود فدعا كلًا منهما إلى الله عز وجل، فآمنوا به. وفي الحديث أن لكل واحدة من المدينتين عشرة آلاف باب. ما بين كل بابين فرسخ، ينوب كل يوم على كل باب عشرة آلاف رجل يحرسون، ثم لا تنوبهم الحراسة بعد ذلك إلى يوم ينفخ في الصور، فوالذي نفس محمد بيده لولا كثرة هؤلاء القوم وضجيج أصواتهم لسمع الناس من جميع أهل الدنيا هدَّة وقعة الشمس حين تطلع وحين تغرب، ومن ورائهم ثلاث أمم منسك وتافيل، وتاريس، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم دعا هذه الثلاث أمم، فكفروا، وأنكروا، وهم مع يأجوج ومأجوج، وذكر حديثا طويلا لا يشك من له أدنى علم أنه موضوع، وإنما نبهت عليه ها هنا ليعرف حاله فلا يغتر به، ولأنه من ملازم ما ترجمنا الفصل به، ومن توابع ليلة الإسراء، والله اعلم. 

<<السابق

 

التالي>>