التاريخ : 12/5/1412هـ
وقت الدرس : بعد العشاء
الدورة العلمية الخامسة
شرح كتاب التمييز
لللإمام مسلم رحمه الله تعالى
 للشيخ عبدالله بن عبدالرحمن السعد
الفهرس الرئيسي   كتاب المعاملات من (زاد المستقنع) التمييز مقدمة التفسير  

ترجمة الشيخ

كتاب التوحيد الفصول في سيرة الرسول كتاب التوحيد المحرر في الحديث

كتاب التمييز

التالي>> 

قرئ على أبي حاتم مكي بن عبدان، قال: سمعت مسلم بن الحجاج القشيري يقول: بالله نستعين و بحوله نجيب، و نرغب إليه في التوفيق للرشد و الصواب، و لا قوة إلا بالله.

أما بعد: فإنك يرحمك الله ذكرت أن قبلك قوماً، ينكرون قول القائل من أهل العلم إذا قال: هذا حديث خطأ، و هذا حديث صحيح، و فلان يخطئ في روايته حديث كذا، و صواب ما روى فلان بخلافه. و ذكرت أنهم استعظموا ذلك من قول من قاله. و نسبوه إلى اغتياب الصالحين من السلف الماضين، و حتى قالوا: إن من ادعى تمييز خطأ روايتهم من صوابها متخرص بما لا علم له به، و مدع علم غيب لا يوصل إليه.

و اعلم وفقنا الله و إياك أن لو لا كثرة جهلة العوام مستنكري الحق و رواية بالجهالة لما بان فضل عالم على جاهل، و لا تبين علم من جهل. و لكن الجاهل ينكر العلم لتركيب الجهل فيه. و ضد العلم هو الجهل. فكل ضد ناف لضده، دافع له لا محالة، فلا يهولنك استنكار الجهال و كثرة الرعاع لما خص به قوم و حرموه فإن اعتداد العلم دائر إلى معدنه، و الجهل واقف على أهله.

و سألت أن أذكر لك في كتابي رواية أحاديث مما وهم قوم في روايتها. فصارت تلك الأحاديث عند أهل العلم في عداد الغلط و الخطأ، بيان شاف أبينها لك حتى يتضح لك و لغيرك - ممن سبيله طلب الصواب، سبيلك - غلط من غلط و صواب من أصاب منهم فيها، و سأذكر لك إن شاء الله من ذلك ما يرشدك الله و تهجم على أكثر مما أذكره لك في كتابي، و بالله التوفيق.

فمنهم الحافظ المتقن الحفظ، المتوقي لما يلزم توقيه فيه، و منهم المتساهل المشيب حفظه بتوهم يتوهمه، أو تلقين يلقنه من غيره فيخلطه بحفظه، ثم لا يميزه عن أدائه إلى غيره. و منهم من همه حفظ متون الأحاديث دون أسانيدها، فيتهاون بحفظ الأثر، يتخرصها من بعد فيحيلها بالتوهم على قوم غير الذين أدي إليه عنهم.

و كل ما قلنا من هذا في رواة الحديث [2ب] و نقال الأخبار، فهو موجود مستفيض.

و مما ذكرت لك من منازلهم في الحفظ، و مراتبهم فيه، فليس من ناقل خبر و حامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا - و إن كان من أحفظ الناس، و أشدهم توقياً و اتقاناً لما يحفظ و ينقل - إلا الغلط و السهو ممكن في حفظه و نقله، فكيف بمن وصفت لك ممن (3ب) طريقة الغفلة و السهولة في ذلك.

ثم أول ما أذكر لك بعد ما وصفت، مما يجب عليك معرفته، قبل ذكري لك ما سألت من الأحاديث السمة التي تعرف بها خطأ المخطئ في الحديث و صواب غيره إذا أصاب فيه.

فأعلم، أرشدك الله إن الذي يدور به معرفة الخطأ في رواية ناقل الحديث - إذا هم اختلفوا فيه - من جهتين:

أحدهما: أن ينقل الناقل حديثاً بإسناد فينسب رجلاً مشهوراً بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ ذلك غير خفي على أهل العلم حين يرد عليهم.

كنعمان بن راشد حيث حدث عن الزهري، فقال: عن أبي الطفيل عمرو بن واثلة. و معلوم عند عوام أهل العمل أن اسم أبي الطفيل: عامر لا عمرو.

و كما حدث مالك بن أنس عن الزهري فقال: عن عباد - و هو من ولد المغيرة بن شعبة- و إنما هو عباد بن زياد بن أبي سفيان. معروف النسب عند أهل النسب و ليس من المغيرة بسبيل.

و كرواية معمر حين قال: عن عمر بن محمد بن عمرو بن مطعم، و إنما هو عمر ابن محمد بن جبير بن مطعم، خطأ لا شك عند نساب قريش و غيرهم ممن عرف أنسابهم. و لم يكن لجبير أخ يعرف بعمرو.

و كنحو ما وصفت من هذه الجهة من خطأ الأسانيد فموجود في متون الأحاديث مما يعرف خطأه السامع الفهم حين يرد على سمعه.

و كذلك نحو رواية بعضهم حيث صحّف، فقال: نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن التحير، أراد النجش.

و كما روى آخر، فقال: إن أبغض الناس إلى الله عز و جل ثلاثة: ملحد في الحرفة و كذا و كذا، أراد: ملحداً في الحرام.

و كرواية الآخر، إذ قال: نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن تتخذ الروح عرضاً أراد: الروح غرضاً.

فهذه الجهة التي وصفنا من خطأ الإسناد و متن الحديث هي أظهر الجهتين خطأ، و عارفوه في الناس أكثر.

و الجهة الأخرى أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثاً عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد و متن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد و المتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ، دون الواحد المنفرد و إن كان حافظاً، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة و سفيان بن عيينة و يحيى بن سعيد و عبدالرحمن بن مهدي و غيرهم من أئمة أهل العلم.

و سنذكر من مذاهبهم و أقوالهم في حفظ الحفاظ و خطأ المحدثين في الروايات ما يستدل به على تحقيق ما فسرت لك إن شاء الله.

غير أن أول ما نبدأ بذكره في هذا المعنى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في تحريضه الناس على حفظ حديثه و تبليغ من سمعه إلى غيره كما سمعه و دعائه (4-أ) بالخير لمن فعل ذلك.

1-          حدثنا محمد بن أبي عمر، ثنا سفيان، عن عبدالملك بن عمير، عن عبدالرحمن، عن أبيه قال، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها و حفظها و بلغها، فرب حامل فقه غير فقيه، و رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وساقه.

2-          حدثني زهير بن حرب، أنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية، حدثني أبو كبشة، أن عبدالله بن عمرو حدثه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: "بلغوا عني و لو آية، و حدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج".

حدثنا هداب بن خالد، ثنا همام، عن زيد بن أسلم، عن عطاء عن أبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: "حدثوا عني و لا حرج، و حدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج".

نهاية درس يوم السبت من تاريخ 12/5/1421هـ


التالي>>